الأحد، 21 أغسطس 2016

"السلفية وتاريخها"
.
.
السلفية كمصطلح يطلق أصالةً على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ..وتبعاً على كل من اتبع منهجهم وسار على طريقتهم من القرون بعدهم ويطلق أيضا مرادفاً للسلفية مصطلحات أخرى كأهل السنة والجماعة والفرقة الناجية والطائفة المنصورة وغيرها.. والمقصود باتباع طريقة الصحابة هو اتباعهم فيما اتفقوا وأجمعوا عليه وليس فيما اختلفوا فيه ..بمعنى أن المحدد والمعيار في كون أمر ما هو سلفي أو غير سلفي هو إجماع الصحابة فلو كان الأمر فيه إجماع للصحابة وجاء من جاء من بعدهم وتبعهم لصح أن يسمى سلفياًأما اختلافهم فيعطي من جاء بعدهم مساحة في الاختلاف هذا طبعاً في الأمور التي حدثت في عصرهم ..أما النوازل التي نزلت فيما بعدهم فيجوز للمجتهدين الاختلاف فيها وأما أول حقبة تاريخية بعد الصحابة فهي حقبة القرون المفضلة والتي جاء ذكرها في الحديث" خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وقد اشتهرت هذه الحقبة باسم أهل الحديث ابتداءً بالإمام الأوزاعي والإمام مالك وانتهاءً بالإمام البخاري والإمام الدارمي ..ومروراً بالإمام الشافعي والإمام أحمد والثوري وابن المبارك وابن راهويه وغيرهم وتجدر الأول هنا بأنه ثمة خلاف حول طول هذه الحقبة فالبعض يرى أنها امتدت إلى 300 هجري على اعتبار أن القرن والجيل هو 100 سنة ...وذهب آخرون إلى ان الجيل والقرن أقل من ذلك فاعتبروه 33 سنة ومنهم من اعتبره أكثر من ذلك فجعله سبعون سنة عموماً من يرى أنها امتدت ل300 هجري فيكون الإمام النسائي صاحب السنن هو آخر العلماء في هذه الطبقة ويُلحق بها جميع الأئمة الستة رواة السنن.. هذه الحقبة تعد أكثر الحقب تمثلاً بالسلفية وتحقيقاً لها وهنا قد يقال أن في هذه الحقبة قد ظهر بعض تابعي التابعين مثلا وخالف ماكان عليه الصحابة فكيف لايكون سلفيا وهو في هذه الحقبة؟؟ والجواب أن المعيار ليس زمنياً فقط بل مشروط فيه موافقة ماكان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ففي زمن الصحابة وجد المنافقين وكانوا معدودين من جملة الصحابة ولكن لم يقل أحد أنهم من السلف الخلاصة أن هذه الحقبة تعد من أكثر الحقب تأثرا بما كان عليه الصحابة لذا ومع وجود كثير من الفرق التي اتسمت بالمخالفات الصريحة فقد وجد في هذه الحقبة الكثير من المتمسكين بالمنهج السلفي والمنافحين عنه وإذا أردنا أن نحدد هذه الحقبة بشكل أوضح فهي بدأت بعهد الخلفاء الراشدين وامتدت زمن الخلافة الأموية وأول الخلافة العباسية وألحق بهم من سار على نهج السلف حتى الجيل الرابع... حقبة الجيل الرابع ويقصد بها هنا الطبقة التي تلت تابعي التابعين وتجدر الإشارة بأن البعض يرى أن الجيل الرابع لايمثل ماكان عليه الجيل الأول...والبعض يرى أنهم كانوا مطابقين لما كان عليه الجيل الأول وآخرون يرون أن ثمة تشابه واختلاف أيضا..والذي يظهر لي أن الجيل الرابع فيه تطابق كبير مع الجيل الأول فمثلا لو قارنا تعامل علماء هذا الجيل مع الفرق التي نشأت لوجدنا كل تعاملهم مبني على مواقف الصحابة من أصول تلك الفرق كقول ابن عمر رضي الله عنه في القدرية مثلا وكقول كثير من الصحابة في أن القرآن كلام الله وموقف سيدنا علي من الخوارج ونحو ذلك الجدير بالذكر أن السلفية منذ نشأتها إلى نهاية الجيل الرابع كانت هذه المرحلة هي مرحلة الازدهار وكانت تعد هي المركز إلى أن بدأ الجيل الخامس أو مابعد الجيل الرابع إلى ما قبل عصر ابن تيمية رحمه الله وهذه الحقبة اتصفت هنا بصفات منها اضمحلال النظر العقلي والتمسك بالنصوص فقط كردة فعل على من دعا إلى تقديم الأدلة العقلية على النصوص الشرعية ...ولاشك أن كلا الفريقين لم يصب الحق فالله أمر باتباع النصوص الشرعية وأمر بالتفكر وإعمال العقل فيها على أن يكون العقل تبعاً للوحي وليس مهيمناً أو حاكماً عليه ومنها أيضاً الشدة على المخالفين وسأذكر مواقف توضح ذلك وقبل الخوض في الأمثلة لابد من التنبيه على أن الشائع أن هذه الحقبة في تمثلها السلفي كانت حكراً على الحنابلة فقط وهذا غير صحيح ...نعم الحنابلة كان لهم نصيب الأسد في تمثيل السلفية في هذا الجيل ..لكن لم يقتصر عليهم وحدهم ومن أمثلة الشدة على المخالفين ماوقع بين متعصبة حنابلة بغداد مع الإمام الطبري صاحب التفسير المشهور ...فقد كان له رأي بأن الإمام أحمد ليس فقيها ً بل هو محدث وخالفه في مسألة من فروع العقيدة فأنكر عليه المتعصبة إنكاراً شديداً حتى رموه بالحجارة فاختبأ في داره ولم يستطع الخروج لكثرة الحجارة على باب بيته !! حتى اضطر أن يكتب مؤلفاً اعترف فيه بأن أحمد بن حنبل من الفقهاء ويعتد بخلافه!!! ومن الأمثلة أيضا ماوقع للإمام البربهاري في بغداد وقد كان شيخ الحنابلة هناك..وكان صداعاً بالحق مما أثار عليه بعض الوشاة من المتعصبة فأوقعوا بينه وبين السلطان فأمر بقتله..فهرب ومات مستتراً ومن ذلك أيضا ما كان يقع من تحريض من متعصبة الحنابلة ضد بعض الشافعية في بغداد وكذلك ماكان من بعض المتعصبة ضد الإمام أبي الحسن الأشعري من الحكم بزندقته ونحو ذلك وكان سائداً آنذاك استقواء الحنابلة بالسلطان ضد مخالفيهم على عكس ما كان يراه أحمد بن حنبل إمامهم!! ومن أبرز الأمثلة فتنة ابن القشيري ابن القشيري كان أشعريا متعصباً ضد الحنابلة...وقد قدم بغداد في طريقه للحج وكان رأس الحنابلة آنذاك الشريف ابن جعفر...وقد شنع ابن القشيري على الحنابلة بشدة مما أثارهم عليه وقد قيل أنه وصل الأمر بهم إلى الاقتتال ووقوع قتلى!! وحاول الشريف استغلال قرابته للسلطان ولكن دون جدوى حتى قيل أن الشريف مات مسموماً في محبسه وقيل غير ذلك...وأمر ابن القشيري بمغادرة بغداد....وتعد هذه الأحداث المسماة بفتنة ابن القشيري ببداية تغير السلطان على الحنابلة فقلبت السلطة ظهر المجن لهم وانعكس الحال فأصبح الأشاعرة هم من يستقوي بالسلطة على الحنابلة ثم حميت الفتنة بعد ذلك وتكرر النزاع والاقتتال!! حتى مالت السلطة إلى الأشعرية وأطلقت عليهم لقب أهل السنة واضمحلت الحنبلية ممثلة السلفية آنذاك هذه العوامل وغيرها ...إضافة إلى بزوغ نجم الأشعري رحمه الله أدت إلى أفول السلفية بعد ازدهارها ...فبعد أن كانت قرب المركز ستتجه إلى الأطراف والشظايا هذا الوصول السلطوي للأشعرية كان له بالغ الأثر على الحنابلة...فبرز عدد من الحنابلة المتأثرين بالأشعرية ومنهم ابن عقيل وابن الجوزي وأبو الفضيل التميمي والفراء وغيرهم ثم ازدهرت الاشعرية واضمحلت الحنبلية ممثلة السلفية ففي منتصف القرن الخامس الهجري الى منتصف السادس سيطرت الأشعرية على قلب العالم الإسلامي حتى أطلق عليهم أهل السنة والجماعة وكان من الأسماء اللامعة في ذلك الوقت والتي ساعدت في انتشار الأشعرية الجويني والبيهقي والغزالي والاسفراييني وابن العربي وابن تومرت...وهذان الأخيران كان لهما بالغ الأثر في نقل الأشعرية إلى المغرب العربي وقام صلاح الدين بإنشاء المدارس السنية على الطريقة الأشعرية بدلا من الفاطمية الباطنية وبعد استيلاء الأيوبيين على مصر والشام ازدهرت كذلك الاشعرية هنالك أما بلاد ماوراء النهر فقد سيطر عليها الأحناف الماتريدية..وذلك قبل الاتساع والازدهار سنة 700 هجري مع قيام الدولة العثمانية واعتمادها لمذهبهم وعقيدتهم أما الشيعة فكانوا في بلاد فارس وبعض المناطق في العراق والشام ولايعني هذا اختفاء الحنابلة والسلفية بشكل كلي لكن مقارنة بماقبل ازدهار الأشعرية فقد اضمحل نفوذهم كثيراً مما سبق يمكننا القول بأن تمثيل الحنابلة للسلفية في هذه الحقبة لم يكن تمثيلا حقيقيا وإن كان قد مثلها في جوانب عدة فمثلا الشدة على الخصوم وتعنيفهم والاستقواء بالسلطان عليهم والوشاية ضدهم لم يكن تمثلاً سلفياً حقيقياًكذلك قلة النظر العقلي ايضا مما انتقد عليهم آنذاك وعلى الجانب المقابل فدعوتهم لتعظيم الآثار النبوية والنصوص الشرعية وفهمها كما فهمها الرعيل الأول كان من حسناتهم ...لكن لايصدق أن يقال أن حنابلة تلك الفترة ومن سار في ركابهم كانوا الوريث والممثل الشرعي الحقيقي للسلفية .. يتبع الجزء القادم ..
.
.
إعداد الدكتور رامي
#النادي_الثقافي_العربي
قسم #التاريخ_و_السياسة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق